قصص · مقالات

آثارُ البنفسج


لا أعرف إن كان المرء يشرب الخمر ليفقد وعيه ليُصبح غير مسؤول عن أفعاله التي يخزنها عقله.. أم يلجأ لها لتُعمي قلبه وتخرسَ لسان ضميره…

مرّ وقت طويل قبل أن أسمع عن زوج يضرب زوجته، حتى اني أصبحتُ أعتقدُ أنهنّ غير موجودات سوى في المسلسلات حين يظهرن بعيون متورمة بنفسجيّة ووجه مظلم، وكأنّ زهر البنفسج تفتّح للتو على وجهها…

قبل أن أتزوج، قبل سنوات طويلة.. كنتُ أسمع دوماً عن معاناة عمتي حليمة مع زوجها، كانت عمّتي حليمة هي الحالة الوحيدة التي تعرّفتُ من خلالها على حال هذا النوع من النساء.. إني أعتبرهنّ نوعاً آخرَ غير بقية النساء وغير بقية البشر.. لازلتُ أذكرُها عندما كانت تأتي صباحاً لجدتي لتقص عليها همساً بصوت يكسوه الضعف والانكسار كيف كان زوجها يعود مخموراً ليلاً فيضربُها ويكون مغتاظاً لأسباب لا تعرفها، ثم إذا اشتد الحديث بينهما يطلّقُها يقول لها “ أنت طالق.. اذهبي لبيت أهلك”، هكذا ببساطة يقولها ثم يأوي إلى فراشه وينام…

snow-white-and-prince-princess-charming-art-portrait-social-campaign-domestic-woman-womens-violence-abuse-stop-satire-cartoon-illustration-critic-humor-chic-by-alexsandro-palombo-copy

لم يحدث هذا ليلة واحدة بل كان أمراً يحدث شتاء وصيفاً وأحياناً مرتين في نفس الموسم من السنة. يصحُو زوجُ عمتي صباحاً فينسى ما حدث و ما قال، وينسى أنه تفوّه بما من شأنه إنهاء زواجه وإبعاد هذه المرأة الصبورة عنه وبعثرة حياة أولاده، وأما عمتي حليمة فكانت بعد جرعة الإهانة والضرب منه، تبقى مستيقظة حتى الشروق، وهي حائرة من أمرها؛ هل أصبحت امرأة مطلقة؟!…

تتجهُ المرأة بما تخفيه من ندوب في نفسها وعلى جسدها للشيخ منذ الصباح وقد أنستها الحيرة ألم الضرب والإهانة، ويقول لها الشيخُ “أنت محرّمة على زوجك هذا مادام قد تفوّه بلفظ الطلاق حتى لو كان مخموراً.. هل هي المرة الاولى التي يتفوه فيها بهذه الكلمة؟”… ثم تدور نفس الاحداث المعتادة، يأتي الزوج ليلحق بها لبيت أهلها، يأتي ليقول لها هيا بنا للبيت وكأن شيئاً لم يحدث، لا يعتذر لها هي بل يعتذر للشيخ، هكذا تروي جدتي القصة .. يحلف الزوج مئات المرات بكل المقدسات عنده وبكل أسماء الله التي يحفظها ويستعملها في الأيْمان، أنه لم يطلّقها وأنه يريُد زوجته ويريد المحافظة عليها وعلى أولاده… يتجهان معاً لدائرة محكمة المنطقة فيقولُ لهما القاضي المناوب “طالما لم يحدث طلاق رسمي هنا في المحكمة الشرعيّة فهي لازالت في عصمتك.. اذهبا”…

إنه لمأزق حقاً أن تكون تلك الكلمةُ وحدها تهديداً حقيقياً لكل الاستقرار الذي تعشيه أسرة ما… إنه لمأزق حقا، أن يُعلّق مصير الأسرة والأطفال النائمون الذين لم يسمعُوا بعدُ بأحكام الزواج والطلاق والعنف الأسري وحقوق المرأة والحقوق المدنيّة وكل تلك القضايا الشائكةـ بسبب كلمة يقولها الأب السفيهُ في لحظة وهو ثمل وتدور لأجلها المناظرات والخلافات الشرعية والقانونيّة كثيراً.. إنه حقا لمأزق حرج ذاك الذي كانت تواجهه عمتي نصفُ الأمية…

domesticviolence.jpg

هذه القصة التي تتكررُ دوماً مازالت باقية في ذهني كمثال وحيد على المرأة التي يضربها زوجها ومع هذا تبقى معه ويتعايشُ جسدها مع الضرب والإهانة إما تضحية منها لأجل أولادها أو خوفا ً من الهروب إلى جحيم أصعب…

لازال في ذاكرتي السمعيّة صوتُ أنين عمتي عندما تبكي وهي تقول إنه ضربها على ظهرها ووجهها بيديه وبالحبل أحيانا ، كانت تخجل من البكاء أمام أمي — زوجة أخيها — رغم أن أمي ستعرف كل تفاصيل قصتها لاحقاً عن طريق جدتي، وأما أنا فكانت عمّتي لا تبالي بوجودي ولا تخجل مني لأنني طفلة، لا تعلم عمتي أن الأطفال يكبرون ولا ينسون بل تُحفر ذكريات الطفولة في عقولنا حفراً أكثر من أي شيء آخر. كانت عمّتي حليمة تبكي منه إذا ضربها ثم تنسى كلّ شيء إذا هدأت طباعهُ وعواصفه التي تهب ّ فجأة، وكانت تصمت إذا صمت…

كبرنا نحن وكبرت عمتي حليمة ومع الأيام يبدو أن زوجها أقلع عن تعاطي الخمور، وأصبح رجلاً وقوراً جداً وكذلك هي، ما عادت محتارةً من كونها مطلّقة من زوجها أم لا، ما عادت تقلقُ إن كان نومُها معه حلالاً أم لا وهو الذي يطلّقها وهو سكران ويرجعُها وهو يقظ…

مرّ وقت طويل منذ تلك الذكريات، حتى أني اليوم أشكّ بيني وبين نفسي إن كانت تلك القصصُ قد حدثت فعلاً عندما أرى زوجها كيف أصبح عجوزا ًنحيلاً هادئا، وهي لا تتوقف عن مدحه ورواية حكاياته ومُزاحه معها. تزوّج أبناء عمتي حليمة وبناتها، ونسينا جميعاً أنها في زمن معيّن من عمرها كانت تُهان وتضرب حتى يتلوّن جلدها باللون البنفسجي، شكراً للثياب التي تستر عيوبنا وألوان أجسادنا أحياناً…

121e34374ce08b4a059c42e9365e43da.jpg
Julia Roberts-Sleeping with Enemy (1991)

رحلت جدتي التي كانت تحمل كل هموم وشكاوى ودموع ابنتها، من حق الجميع اليوم أن يُنكر ذاك الماضي البشع مادامت الشاهدةُ الأولى قد رحلت ودفنت معها كل ّ الأسرار.. ما كانت تراهُ أمي خنوعاُ وذُلاً من عمتي، يُشيدُ به أخرون على أنه صبرُ وحكمةُ من امرأة تريدُ الإبقاء على عائلتها والستر على زوجها…

لقد نسيتُ أنا نفسي كل تلك القصص وذاك النوع من النساء، إني عندما ألتقي بالسيدات القويات اللاتي يدرّسن ابني في المدرسة، وأرى كم هنّ قويات ومتعلمات ويمتلكن الكثير من الصرامة، أحاول إقناع نفسي أن أمثال عمتي حليمة انتهين مع ازدياد عدد المدارس والجامعات ورصف الطرقات وانتشار صالونات التجميل واستخدام الانترنت للتعليم والفائدة.. كل واحدة من هؤلاء السيدات اللاتي أراهنّ في المدرسة تنفقُ من مالها على نفسها، وتعمل ُ مربية للأجيال وتقود السيارة بمُفردها وتكتب على السبورة ما بإمكانه أن يُحفر في عقول هؤلاء الاولاد حتى آخر عمرهم…فهل يعقل أن تجمع ذات الطريق امرأة قوية وأخرى يضربها زوجها؟…

أمثال عمتي حليمة تناقصت أعدادهنّ فعلاً، وكذلك أمثال زوجها ، اليوم وبعد مرور الوقت أدركتُ أن المرأة التي تبدو قوية أمامنا وتقود بسرعة سيارتها ولا تخاف الطريق قد تحمل هي الاخرى ندوباً زرقاء تحت جلبابها، وأن تلك التي تخيف ابني في المدرسة بعنفوانها هي في الحقيقة تُصدّر مهانة تعيشها في حياتها دون أن نعلم…

ابنُ عمتي حليمة الصغير الذي كان يرافقها إذا جاءت باكيةً إلى بيتنا وإذا ذهبت لبيت الشيخ، لقد كانت عمتي تقول عنه إنه طفل لا يفهم شيئاً، كان يأتي معها منذ الصباح بثياب النوم يبكي وهو جائع وتقول عمتي إنها لم تقوَ على تركه كبقية إخوته لأنه كان أصغر أولادها. كبُر ابن عمتي ولم يُطابق والده ُ في كل شيء، إنه لا يتجهُ لشيخ منطقته، بل يتجهُ بسيارته لشيخ من منطقة أخرى حتى لا يعلم شيخ مسجدهم والجيران ما تفوّه به وهو مخمور…

عندما أراقب وجه زوجي وهو نائم أسأل نفسي إن كان هو أيضاً يمكن أن يضربني أو يهينني يوما ً، لقد تزوجتُه وأنا لا أعرف عنه سوى ما يمكنُ رؤيته من السطح ومجرد التفكير في أني يمكنُ أن يهينني بذاك الشكل يُرعبني…

هل الخمرُ الذي يجعل جسد متعاطيه ضعيفا متداعياً فاقداُ لعقله وتوازنه هو ما يدفعُ الرجل لضرب شريكة حياته؟ الخمر الذي يحجب العقل، يحرّض رجلاً لضرب زوجته؟! أم أنها عُقد وتراكمات دفينة يحرّرها السُكْر وضعف عمّتي وخنوعها وعودتُها لهُ في كل مرة؟…

نجوى وهيبه
* بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف المنزلي


Originally published at www.libya-al-mostakbal.org.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s