قصص · مقالات

مكعباتُ سكر ليومٍ من أغسطس

اليوم حصلتُ على الكثير من مكعبات السكر، وكأن الله يريدُ أن يعوضني عن شعوري بالمرارة والوحدة بعد وعكة صحية عانيتُ منها وحدي وتجاوزتُها أو أكاد..

خرجتُ صباحاً مع موعد شروق الشمس والشوارع لازالت خالية سوى من بعض الكادحين أو المتجهين للحاق بطائرةٍ مبكرة، أسير وحول رأسي تحوم عشرات الأفكار الفلسفية والقصص ومشاريع مقالات كثيرة وجُمل تصلحُ بداياتٍ جميلة لمواضيع شيّقة. لطالما آمنتُ أن الركض والمشي السريع يهوّنان عن النفس الكثير، ويلهماننا بأمور إيجابية كثيرة نسيناها وانشغلنا عنها. أحب دوما أن أسابق نفسي وأن أركض، ليس خلف أشياء ولا فراراُ من مخاوف ولكن لأنّ الركض يمنحني شعورا بالقوّة والمقدرة والحرية، وبأن قلبي ينبض بدقّاته الخاصة بي أنا وهو وحدنا.

 

في الصباح أول مكعب سكر كان بتغلبي على نفسي وعلى عادتي بالاستيقاظ متأخرة (العاشرة صباحاً غالبا)، وبخروجي للرياضة وتنشق الهواء والتعرّق والسماح لجسمي بآداء وظائفه دون تقييد أجهزة التكييف التي قاربت أن تتحول لأجهزة تجميد لأجسادنا ..

 

ركضتُ وفقزت وهرولتُ ومشيت بسرعة ثم ببطء، وكان قرص الشمس وهو يصعد ببطء في الجهة الأخرى محيراً، بدا لي كأنه قمرٌ متخفٍ نسيهُ الليل ورحل.. وكأنه قمر مكتمل في ليالي الصيف الصافية، الشمسُ عندما تتخلى عن شراستها وتصيرُ وديعة تبدُو لي كأنها قمر..!

رأيتُ سيدةً آسويّة جميلةً قصيرة القامة تحاول التقاط صورةٍ لنفسها تارة مع الشمس وتارةً مع شجرة نخيل قصيرة تقفُ قربها وتارةً تريدُ إظهار قنينة الماء البلاستيكية الأنيقة.. بقيتْ في نفس مكانها تحاول التقاط الصور وتبتسم وتأخذ وضعيات كثيرة، حتى ذهبتُ وركضتُ وعدتُ لأجدها كما هي في طريقي، شعرتُ بأنها ينبغي أن تستمتع بما جاءت لأجله بدل الانشغال بالتقاط الصور لنشرها وإخبار الناس أنها مارست رياضةً لم تمارسها حقاً، ثم قلتُ لنفسي هي جاءت لأجل هذا، وهي ما تعرف ما تريد، وكل منا يفكر بطريقته، أنا لستُ وصيةً على عقول الآخرين.

ألقيتُ عليها التحية وسألتُها إن كانت تريدُني أن ألتقط لها صوراً، سعدت بذلك وابتسمت ابتسامة عريضةً أيقنتُ معها أنها مكعب السكر التالي في يومي، أخذتُ لها الكثير من الصور وشكرتني بكل اللغات التي تعرفها لوحتُ لها مودعة وأنا أهرول وتمنت لي يوماً جميلاً، ويبدو أن أمنيتها كانت صادقة..

في مساء نفس اليوم التقيتُ بالكثير من الأصدقاء والصديقات الرائعات، التقيتُ بصديقة تعرّفتُ عليها منذ مدةٍ ولا أعرف عنها الكثير، أقرّت لي -لما تبادلنا الحديث وشاركتُها عن أول مئة يوم لي في الغربة وعن مغامراتي ومحاولاتي للتأقلم وعن بعض الأشياء الجميلة الغريبة التي قمتُ بها وحدي دون خوف وكسبتُ بفضلها حب واحترام أصدقاء جدد- أقرت لي أنها دخلت الاسلام حديثاً ولم تولد مسلمة، وحكت كيف تغيرت حياتها مع تغير الدين ومع تغير البلاد ومع تغير أشياء كثيرة، كانت تروي بشكلٍ مسترسل دون تفكير أو تردد، تروي  دون مبالغة في وصف روعة الدين او ظلام حياتها قبله، بالعكس حكت عن أشياء تعجبها في الحالتين،غمرني الرضا لما منحتني ثقتها وأشركتني بكل عفويّة تفاصيل من حياتها، كنتُ أصغي لها وأحاول أن أجد مواقف لنفسي كنت فيها حكيمة مثلها..

 

ولأنها كانت تكبرني بالسن قليلاً “في عمر والدتي تقريباً” كان الناس يظنون أني ابنتها برغم اختلاف أشكالنا تماماً، ونبّهني ذلك لأن أبحث عما جعلها تصير صديقتي ومهتمةً بي رغم اختلاف أعمارنا ، وعما دفعني لذلك أيضاُ!

قالت لي ونحن نغادر أنني منحتها جرعة من المرح والخفة لم تعشها منذ زمن، الحمد لله؛ لقد خشيتُ أنها شعرت بالندم لثقتها بي ومشاركتي بعض الأمور الخاصة بعدما تعاملتُ معها بمرحٍ وبعض المشاكسة التي أعامل بها أصحابي وأسرتي.

 

ثم التقيتُ بصديقتي التي  تصغرني قليلاً “عمرها 14 سنة” سمراء مشاكسة عنيدة مثلي برغم أن لون بشرتها أغمق مني قليلاً وجمالها مختلف وجاذب.. قالت إنها تريد التقاط صور لي فنبهني ذلك أنني لم ألتقط صوراً لنفسي منذ الصباح رغم ازدحام اليوم بالأشياء الجميلة، أنسى أحياناُ وأفضل في أحيان قليلة الاحتفاظ  باللحظات في قلبي وعقلي وحدي، وأرويها بكلماتي وصوتي ..

التقطت لي السمراء الصغيرة الكثير من الصور وقالت إنها تريد أن تصير مثلي وأنها تشبهني وهي لا تشبهني في الحقيقة بل هي مختلفة وأقل ثرثرة، ربما لأنها مازالت طفلة ولم تعش قصصا كثيرة مثلي، ثم قالت لي إن العِرق في جبيني جميل، لم تر من قبلُ أحداً له عرقٌ بارزٌ في جبينه..قالت إنه يجعلني جميلة ويزيدُ عينيّ اتساعاً ولاحظت أنه يبرزُ عندما ابتسم، أسعدني كلامها وشعرتُ بأنها قالت ذلك لأننا مرحنا معاً كثيرا ، المرح والحديث بعفوية هو ماجعلني جميلة في نظرها وليس عرق جبيني وفي الحالتين أنا جميلة، وإن صحّ تفسيري فهو مكعب سكرٍ آخر، لأنه يعني أنّ الطفلة غير جاحدة للانسجام والمرح والضحك التي حصلنا عليها معاً ، إذ ثمة من تمنحه كل الفرح في حياتك ويظل لا يراك جميلاً..!

 

ثم عدتُ للحديث مع الصديقات اللاتي في مثل سنّي، وشاركتُ معهنّ تدوينتي الجديدة، وحكيتُ عن أيام عملي وعن الأشياء التي أحبها والأشياء التي تجعلني أشعر بالإحباط والقلق، وتجنبتُ الحديث عن الأشياء السلبية لأني كنت في حالة نشوةٍ تجعلني أغفر أي إساءة، ثرثرتُ كثيرا ربما محاولة لتعويض صمتي لأيامٍ ووحدتي..

 لو أن أي شخص مزعج حدثني اليوم لغفرتُ له أي خطأ معي،

تشجيع الصديقات والأصدقاء الذين لا أعرفهم، بعد نشري تدوينتي اليوم كان مكعب سكرٍ حلواً آخر، ليس مفرحاُ لأنه يشعرني بأني أكتب شيئاً قيّماً فحسب، بل هو مُفرحٌ لكونه يُطمئنني أن هناك أشخاصاً مشجعين ودافعين لغيرهم دون غرض..

 

 

20525740_1782137625134005_4373071481766093978_n
صورتي التي التقطتها الطفلة الجميلة 

انتظرُوا قصة الرجل الذي وجدني ولم أجده 😊

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s