مقالات

فهرس.. اللحظاتُ الأولى من النهاية

 

 

ليست العمل الأدبي الأول الذي يحكي القصص بصوت الأشياء بدلاً من البشر، لكنّ ليس هذا ما يجعلها مميزة ومؤثرة، بل مايجعلها مؤثرة هو ازدحامها بالقصص والشخصيات دون أن تشعر بسلالة القفز بين الأزمان والأغراض والقصص، بل بين الحقب الزمانية والدقائق، المؤثر هو سلاسة التقاطع بين ذاكرتيْ بطليْ الرواية مع كل من مرّ في حياتهما من  أبطال ومن دقائق فاصلة في حياتهما..

رواية فهرس هي رواية للكاتب العراقي سنان أنطون الذي عرفتُه لأول مرة قبل نحو عامين عبر روايته “يا مريم” التي تتحدث عن أوضاع المسيحين العراقيين على مدى سنوات وكيف تغيرت الأمور بعد الاحتلال الأمريكي.. وقد ترشحت ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية في نسخة 2012

cad7310c40a846b8a01ab4fa5a2cbd15

المتشابهُ بين الروايتين أنّ في كليهما يقص الراوي علينا القصّة من خلال شخصيتين مختلفتين، يروي كل منهُما الامور من منظوره؛ في “يــا مريم” القصة على لسان يُوسف ومها، وفي “فهرس” على لسان “نمير”  و “ودود” وهذه المرّة بتقنيةٍ مختلفةٍ عما  كتب في “يا مريم”.

“نميــر” هو العراقي المغترب الذي هاجر مع أسرته منذ ما قبل الاحتلال الأمريكي، وأما  “ودود” فهو ابن بغداد الذي ظلّ فيها يبيع الكتب في شارع المتنبي، وكلاهما يحمل الوطن بطريقته..

المشترك بين الشخصيتين أنّ كلاهما يواصل حياته ويعيشُ دون التعافي من بعض الهموم والقلق والمخاوف؛ المغترب مهموم ومن بقي في وطنه أيضاً غريب ومهموم..

في الرواية شخصيات عابرة كثيرة، من ازدحامها تنسى عدد الشخصيات رغم أن أسلوب الكتابة لا يُشعر بالازدحام، بل يُقدم الشخصيات بشكلٍ تدريجي،والملاحظُ أيضاً أنه مع زخم القصص  لا تشعرُ بالإطالة ولا تشعرُ أن السردَ مختصر أو متعجّل، إلا حين انتهائك منها، فتشعرَ أن أشخاصاً كثيرين شاركُوك ذكرياتهم، بعضهم بالخط السميك وبعضهم بالخط الرفيع، يبقى حجم الخط حاضراً في الذهن ولو حاولنا تخيُل القصص صوراً ومشاهد..!

Mutanabbi-Street-2
شارع المتنبي بغداد – مصدر الصورة google

اختار الكاتب تقنية وضع أكثر من نهايةٍ للقصة وإشراك القراء في تصور كيف ستُؤثر كل نهاية على البطلين وعلى سير الأحداث بل وعلى مزاجنا نحن القراء أيضاً، وفي كل نهايةٍ رسالةٌ مختلفة والرسالات ُ الثلاث تعكسُ حال أي مثقفٍ في بلاد تعيشُ حالة صراع وحرب، أي مثقفٍ يُمضي حياته وهو يشعر باللامبالاة والسأم وكل النهايات والاحتمالات لا تُرضيه، كلُها مؤسِفةٌ حتى اكثرُها سعادة، فما فُقِد في الوطن ماعادت هناك نهايةٌ تليقُ به..

النهاية الأولى التي اقترحها الكاتبُ للرواية أقرب أن توصف بالنهاية السعيدة وهي سهلة ومُرتبة لا أعدُّها نهاية بل بداية، ولكنها جيدة ليُودع القارئ شخصيتيْ الفهرس دون شعور بالألم وقد تكون مُرضيةً لفئة واسعة من القراء، أنا نفسي شعرتُ ببعض الرضا لدى قرائتها وتمنيتُ لو انتهى الكتابُ هناك.

وأما النهاية الثانية فمفتوحة ومُشتتة وتشعر بأنك فقدتَ شخصاً دون وداعه، ودون معرفة أين ذهب أو ماذا قرّر، وهي أكثرُ واقعية من الأولى، وأما الثالثة فرأيتُ فهي نهايةٌ فعلاً، وحتى لا أُفسد على القراء لذة اكتشافها سأكتفي بالقول إنها وبرغم كونها نهايةً غير مستبعدة لكنها قُدمت بحبكة مختلفة

“…..لا توجد نهايات حقيقية، كما لا توجد بدايات حقيقية، إنْ هي إلا حدود وهمية وإشارات وعلامات نضعها نحن لننظم ضياعنا في هذا الوجود….”

في فهرس نتعلمُ أن اللحظة الأولى من كل حدث ضخم هي  بحد ذاتها قصة، اللحظة الأولى لطيران العصفور لأول مرة، أو لحظة لقاء أنامل الفنان بالوتر للمرة الأولى، أو حتى اللحظة الأولى لاجتياح المدينة من قبل المُحتل وتحولها لمدينة أخرى لا تشبهُ ماكانت عليه..

 ليس من السهل تدوين ذاك الجزء الصغير من الزمن، وهي منسيّة من قبل الكثيرين، وكثيرُون يخفقون في نقلها أو ربما يغفلون عنها ويُنسيهم هول ما يليها من أحداث قيمة شهادة تلك اللحظة، ليست هي فحسب بل لحظات صغيرة كثيرةٌ تليها منسيةٌ من عمر أغراض وأشخاص كثر  وهي على قصرها يُحكى التاريخُ عبرها

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s