قصص

صندُوق القصص 1

وماذا عن القصص التي حدثت معي ولم أخبر أحداً عنها ؟ القصص التي لم أدوّنها ولم أبُح بها لأحد، إما بسبب الحياء والخجل أو الغضب أو خوفاً من انزلاق دموعي ضعفاً لو تذكرتُها، وبعض القصص لم أحكها لأني كلما حاولتُ عجزتْ كلماتي ومفرداتي وبدت القصّة مختلفة عما هي عليه؛ كالمنام الجميل الذي نراه ليلاً ونخفق في وصفه عندما نصحو، يتحول عنذما نقصّه لحكاية طويلة مضجرة!  

 

لكَمْ أرغبُ في تحرير الحكايات الغريبة مع الذين قابلتُهم مرة واحدة في مطار أو حافلة أو جلسوا بجواري في طائرة، أو الذين تنزهتُ معهُم واستمعتُ ونحن بالكاد تقابلنا ثم ودّعتهم للمرة الأخيرة دون عنوان أو دليل، كيف هم الآن.. وهل مازلتُ حاضرةً في ذكرياتهم ؟ لقد منحوني سعادةً لم يمنحها لي بعض من أعرفهم منذ زمن..

 

كانت إحداهنّ تسافر لأول مرة خارج الوطن وجلست قربي على متن الطائرة، لم تكن خائفة بل تتقدُ حماسة وشوقاً للسفر، قالت إنها ظلت تدعو الله أن تسافر وتغادر الوطن لأي سبب، فتحققت أمنيتها في رحلةٍ لعلاج شقيقها المريض بمرض نادرٍ، و مع هذا بدت مبتسمة ومرحة، ولم أفهم في البداية إن كان مرحُها هذا قسوة قلبٍ ولامبالاة أم قوةً ومكابرة وتعايشاً مع محنتها؟

 تحدثنا كثيراً وضحكنا وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن، لا رقم هاتف لها عندي ولا بريد إلكتروني ولا حتى صندوق بريد قد تصله رسالتي مهما ضلت الطريق .. لكنها موجودة في ذهني ومخيلتي بكل التفاصيل.

 شقيقها المريضُ عرفتُ قصته مفصّلةً وقصة المرض النادر وتاريخ الاسرة الوراثي مع المرض، وحكاية أسرتها وكيف موّلوا العلاج المُكلف لشقيقها ولماذا سافروا ولم يعالجوه هناك في بلدٍ ليست كوطني؛ بل بها مشافٍ مجهّزة وعلاجٌ متطور وقوانين صارمة..

 31306771_2070635262950905_964524757032632320_n

ثم فهمتُ منها لماذا كانت تتوق بشدة للسفر برغم كونها تعيشُ في بلدٍ نراهُ نحن وطناً جميلاً وآمناً.. وحكت عن بقية أشقائها وترتيبها في العائلة ورغبتها في الزواج وسبب تعطل ذلك حتى الآن،وعرفتُ عمرها الذي فاجأني، وحبيبها الخائن، وقريبهم الذي رفضته لما تقدّم لها وشعرتُ أنها نادمةٌ في هذا الجزء، ومديرُها في العمل الذي أحبّها لم يبُح ولكنّ الجميع لاحظه، وعرفتُ منها أنّ الرجال في بلادها كلامهم معسول يُذهب العقل، لم تقل ذلك حرفياً لكنّ كلّ الرجال في حكايتها كان ذاك حالهم..

 

وعلق في بالي لا أعرفُ لماذا عمّها المرِحُ الذي تُحبه جداً كشقيقٍ لها، ولما تزوّج صارت هي تغار من زوجته، حكت عن زوجته، وكانت أمينةً في سردها فقالت لي إن الزوجة أنيقة وذكية ..لكنّ عمُهم تغيّر بعد الزواج ولم يعد كما كان أيام عزوبيّته قالت هي في حزنٍ ونوستالجيا واضحة، وبحديثها مر على بالي في لحظة كل الرجال في عائلتي الذين أتذكرهم في طفولتي شباباً ظرفاء مشاكسين حولتهُم السنوات أو الزوجات أو أشياء أخرى إلى رجال مملين ثقيلي الظل يبالغون في الحذر والحياء منّي بعد زواجهم وخروجي من الطفولة..أدركتُ وأنا على متن الطائرة أستمع لقصتها، أني مشتاقة إلى ظرافتنا النقية معاً دون الكثير من الحسابات..

 

كانت هي من بلاد غير بلادي ربما لهذا أفصحتْ عما في قلبها دون قلق وخوف من أن أبوح بسرّها أو أسخر منه، كان الأمر بالنسبة لها أشبه برمي حصاة في البحر؛ ترميها وتعلم أنها لن تعود ولن تتعرف عليها ولن تتعرف عليك حتى لو دُستها بقديمك يوماً ..

 

حكت وكانت غير خجلةٍ من بعض الامور المُحرجة، قالت لي لم أتوقع يوماً أن أحكي كل هذا على متن طائرة لفتاة غريبة.. ومازحتُها بأني صحفية يمكنني أن أنسج من كل شيء قصّة وأختلق من أي مأساة حكاية .. ضحكتْ ودمعت عينيها وشعرتُ أنها ليست دموع ضحك وإنما دموع خجلة من هول ما حكت، تنتظرُ ضحكة تداري بها ألمها..

لم أعلّق بأسفي ولم أحاول قول شيء يواسيها لأني لم أعرف ما أقول، ولأنّي لم أشعر أنها تحكي لي لكي أعزّيها وإنما هي احتاجت فقط إصغائي.. أعتقد ذلك!

لقد استغربتُ أو ربما أعجبتُ بقدرتها على البوح بكل هذا الأسى والوجع، ليس كل ماحكت محزِناً لكنّ أغلبه محرج ويحتاج شجاعة لكي نتكلم عنه، هل لهذه الدرجة ليس في حياتها الكثير من المرح والنِعم أم أننا نفضّل التراجيديا في حكاياتنا وكأنها مرادف للبطولة؟

ربما يكون كل ما روت لكِ كذباً ستقولون، وإن كان كذلك! فهو مسلٍ وبه حبكة جميلة وبه صدق وإحساس رقيق وحزنٌ وغيرة وكيدٌ وحبّ وعبادة، وبعض من الندم والتوسّل، إنه مزيج رائع ولو كان من نسج الخيال..

عندما صافحتُ شقيقها المرهق الهزيل ووالدتها التي لم يبدُ على عينيها أي ضعف أو انكسار، تخيلتُ كل ما حكت لي جليستي في الطائرة عنهُما

.. لم أقابل والدتها وشقيقها سوى في نهاية الرحلة، كانت رؤيتهما بمثابة مشاهدة أبطال الفيلم لرواية قرأتَها وأعجبتك، ولكننا كثيراً ما نحتجّ على عدم مطابقة خيالنا لشكل الأبطال..

 

 لم أخبرها الكثير عني ولم تجد الوقت هي لتسألني وانتهى لقاؤنا بشكلٍ أقرب إلى انقطاع الكهرباء قبيل نهاية فيلم مشوّق، لم أنسها ربما لمهارتها في إخبار القصص أو تعاطفاً مع ألمها أو لأني شعرتُ ببعض الغرور والفخر لأنها حكت لي وعاملتني بدفء وثقة سريعين.. أكان هذا لهشاشتها وتراكمات المجتمع الظالم في بلادها أم لمقدرتي على كسب ثقتها؟

 

قصّة هذه الأُسرة مثلاً التي رُويت لي بين الغيوم والنجوم على ارتفاع آلاف الأمتار.. كيف لي أن لا أقصّها عليكم؟ وإن فعلتُ، فهل أكون خنتُ الأمانة.. وماذا إن قرأتْها هي يوماً.. هل ستفرح أم ستندم .. يحب الناس من يروي حكاياتهم، على الأقل ما يقولونه لي عندما أمازحهم بذلك..

ماذا سأحكي لكم إذاً وبمن تريدون أن أبدأ؟ ليس جميع من حفظتُ حكاياتهم طيبين وصادقين، بعضهم أريد أن أخبركُم عنهم لأنهم مختلفون، وبعضهم جرحوني وكسروا قلبي، وبعضهم كثيرون أنا فعلتُ معهم ذلك ولم أبُح، و نكراناً للألم لم أخبر أحداً بما حدث، لكنّي لا أتعاف بسهولةٍ من شعور الذنب أو الوجع ..

متى سأحكي هذه الحكايات؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s